عن مصطفي سيد احمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عن مصطفي سيد احمد

مُساهمة  نجم النجوم في الخميس يناير 05, 2012 2:13 am

بداية العلاقة ...

في نهاية السبعينيات وفي فترة بدأت فيها ملامح تجارب جديدة للغناء السوداني -تتبلور مع حماس مبدعين أمثال يوسف الموصلي.. وعركي والقامة محمد وردي- ظهرت أصوات أُطلق عليها «الواعدون»، كان من بينهم مصطفى الذي جاء مختلفاً في طرحه منذ البداية.. وبشَّر بأغنية جديدة متجاوزاً النصوص التقليدية الطرح والشكل الموسيقي السائد. كنت أول الذين تحمسوا لهذا الطرح والتقيت مع مصطفى في عام 1978 وطرحت لأول مرة عملين هما «في عينيك عشم باكر»، و«وهج الشعاع»، وتصادف ذلك مع تعاون مصطفى مع المبدع الشاعر الرقيق قاسم ابو زيد، والصديق الشاعر يحيى فضل الله.. وكان يتوسط هذه الأعمال الرائع صلاح حاج سعيد الذي بدأ مصطفى معه أول أعماله..

وقفة لا تنسى

ورغم ما لاقاه مصطفى من صعوبات في ايصال صوته، وتبع ذلك مشاكل التسجيل إلا أنني ما زلت أذكر وقفة الراحل المقيم الفنان محجوب عبد الحفيظ والإذاعي والإعلامي الأستاذ معتصم فضل وذلك لتقديمهما لمصطفى في أكثر من مرة، وتلاهما الدكتور الإعلامي عوض إبراهيم عوض.. ومن خلال هؤلاء استطاع مصطفى تقديم تجاربه الأولى مثل «والله أيام» للشاعر التجاني حاج موسى.. و«لومني مستني الملام» للشاعر المبدع عبد الوهاب هلاوي، ومن ثم انداحت خطوة الوعد خلال جلسات للإستماع كانت تمثل فضاءات ملائمة لمثل ذلك الطرح، وقبل سفري للخليج أعددنا لنجاح هذه الجلسات واتسمت بجهد كنا أحياناً نبذل فيه الوقت والمال لتصل أعمالاً في شريط جلسة ويستمر نسخها.. وواصل مصطفى انطلاقته وكان في كل مرة يقدم أعمالاً اضافية لتجربة الحداثة التي نهج وسلك طريقها.
استطيع أن أقول إن مصطفى حفر الصخر بأظافره المبدعة وهو يعبِّر من خلال النقد في ذلك الزمان إذ أن الولوج لتجربة الغناء الملتزم والوعي لتلقي هذه التجربة كان محدوداً في فئات ومفاهيم لا يسندها واقع الأغنية التقليدي في ذلك الزمن.
عكف مصطفى على تلحين أعماله بنفسه وهذا ما زاد رهقه وتعرجات المسار للوصول لغد مجهول ولكن لا أنسى أن هنالك من دعم مصطفى بالألحان من الفنانين ومنهم الأستاذ يوسف السماني، والموسيقار بدر الدين عجاج، وبدر الدين أيضاً كان يقاسم مصطفى رغبة الخروج بأعمال ذات بُعد موسيقي متقدِّم لذا كانت أغنية «لمحتك» للرائع عبد القادر الكتيابي أصدق تجربة مكتملة منذ البدايات، استمر عطاء مصطفى، وكان كلما التقى شاعراً أو ملحناً وجد فيه ملاذاً لأفكاره قدَّم له نصاً أو أخذ منه نصاً، وتوقَّف هذا اللهاث من بوادر ظهور أعراض مشاكل الكلى لدى مصطفى، ورغم ذلك لم ينهزم أمام صعوبات الحركة والسهر والتعب لانجاز أعماله بل ظل يتحرَّك والمرض يتسلل يومياً لدواخله المفعمة بالتعب والصهيل هذا مع مسؤولياته الكثيرة نحو اسرته ووالدته واخواته وأهله الذين لم يقتصر وجودهم على ود سلفاب بل تعداه إلى كل أصقاع السودان المترامي بل وإلى خارجه.

تجربة حصاد

بعد شريط مصطفى الأول من منصفون لم تتكرر تجربة الإنتاج إلا مع شركة حصاد بمبادرة الرائع يوسف الموصلى وأحمد يوسف حمد وصلاح المبارك في القاهرة.... رغم ظروف المرض باشر مصطفى بروفات وإعداد شريط «الحزن النبيل»، ثم أجريت له عملية زراعة كلية.. وعاد للقاهرة وتم إنتاج الشريط بتوزيع الموصلي، وقد كان عملاً متفرداً وإضافة موسيقية كان مصطفى يرمي عليها كل أحلامه.. وتكرر ذلك بانتاج «البت الحديقة» وكان ذلك في ظروف مرضية قاسية بالدوحة وما زلت أذكر صعوبة ذلك مع عملية الغسيل وإنهاك مصطفى وتردي صحته، وكان يوسف الموصلي قد قضى اسبوعين في متابعة ذلك باستوديوهات الدوحة ثم نقل العمل إلى القاهرة واستمر مصطفى في عشقه المتواصل لأغنيات مختلفة وجديدة واستطاع إصدار شريط شيراتون الدوحة- ورمادا، وكان الداء وقسوة الحياة بعيداً عن السودان تأخذ من مصطفى عمراً يفنيه يوماً بعد يوم إلا أن أنامله المبدعة لم تكف عن مداعبة الأوتار حتى الليلة الأخيرة قبل رحيله..

نزار ومظفر النواب

استطاع مصطفى في عمره الفني القصير إحراز النجاح الذي لا يمكن إحرازه لفنان يعاني ويموت كل لحظة ويصر على استمرار الحياة والعطاء.. فغنى لأكثر من «41» شاعراً، بل تعدى حدود المفردة السودانية وغنى لشعراء مصريين وعراقيين وسوريين، غنى لنزار قباني، ومظفر النواب، وأغنياته عجاج البحر لشاعر مصري من وادي النيل. كان مصطفى يرتبط بعلاقات حميمة مع شعراء الأغنية منهم الصديق أزهري محمد علي، ومحجوب الحاج وحافظ عباس، واستاذة نجاة عثمان، وعبد العال السيد، وهاشم صديق، والكتيابي، والصادق الرضي، وعاطف خيري، والرائع محمد طه القدَّال الذي يتكلَّم مصطفى عنه بحب وفخر، رجل الريف الزاهد الورع وكان يردد في أمسيات الغربة أيام المعهد، ويسمي قاسم ابو زيد ويحيى فضل الله بالمشاغبين، ويحكي عن وعيهم المنسجم مع رؤيته تماماً.. ويتحدث عن صعوبات الألحان لأعمال نقلها لملحنين وأعادوها له مثل أغنية «وجيدة» وما زلت أذكر في أحاديثه إطراءه على بدر الدين عجاج واعجابه بألحانه، والتي منها «كيف انساك» للشاعر محمد مريخة.. وعلى الرغم من أن مصطفى بتقديري أنجز العديد من الألحان الجميلة في قصائد أقنعته إلا أنه كان يواصل بحثه الدؤوب عن الجديد حتى آخر نفس في حياته العامرة بالتعب والكفاح.

ما لا يعرفه الناس عن مصطفى

مصطفى في تقديري كتاب مفتوح وخطوطه عريضة وهو من الفنانين القلائل الذين يسعون لتمليك كل حقائق تجربته للناس، أضف إلى ذلك أنه عفيف اللسان يكره أن يتحدث شخص أو يغتاب في مجلسه العامر بالأصدقاء، ومن مميزات ذلك الفنان أنه يكره الجهوية والعنصرية لأي جنس بعينه ويردد دائماً يكفي أن ننتمي اسماًَ وفكراً لوطن اسمه السودان، ولا يخوض قط في أي مغالطات لا تصب في غير هذا المفهوم... أيضاً من النقلات الغنائية التي كانت تشكل هاجساً له الغناء الجماعي ، فنجد ذلك في أغنية «حلوة عينيك» للرائع د. بشرى الفاضل، و«أديني إحساس بالأمل» لشخصي الضعيف وأغنيات أخرى.

البروفات والإصرار على إخراج الأعمال

يقضي مصطفى أسابيع إن لم تكن شهوراً، في نقل فكرة اللحن للفرقة التي تعمل معه وربما الأخ الموسيقار «حضرة» يتذكر أيام بروفات الأغاني الأولى بالخرطوم، وفي الدوحة كان العازف يخرج من البروفة للنوم والراحة بعد جهد مضنٍ وتكرار، لذا لا يمكن لأي عازف متعجل أن يعمل مع مصطفى، وقد استفادت الفرقة التي عملت معه بالدوحة من أفكاره الموسيقية ووعيه الكبير. اهتم مصطفى بأصوات شعرية متجذِّرة في الوسط الشعبي ولها اسهامها، حيث غنى «نورا» و«يا مطر» للصديق المبدع محمد الحسن سالم حميد، وكان عمل «عم عبد الرحيم» يشكل بعداً درامياً في شكله الموسيقي، واستطاع به وبعمنا الحاج ود عجبنا أن يضرب الرقم القياسي في صبر الفنان على أشكال موسيقية لا يمكن تنفيذها إلا عبر جهد متكامل ووعي وإدراك لا يوجد في مغنٍ عادي، ولمس بهذه الأعمال تطلعات وطموح العامة من الناس الذين طالما حلموا بمن يغني بأصواتهم وينقل أحلامهم وحنينهم لأزمنة الغناء في الهواء الطلق واستطاع أن يأتي بهؤلاء إلى مسرح الحياة العامة ويتوجهم أبطال التعب والكفاح والنضال لأجل الحياة الكريمة الحرة. وهذا ما يميز مصطفى عن غيره من المغنيين.. كان ينزف ليهب الحياة لغيره.. يسهر لينام الطفل ملء جفنيه.. يحزن ليعم الفرح كل أرجاء الدنيا.. يموت لتبقى كلمته صادقة قوية تتحرك في زحام الحياة اليومي لتعلن قدوم الفجر وعليل النسائم وبهاء الفكر وعظمة الفنان الإنساني «مات مصطفى ولم تمت الفكرة».

قبل رحيله بليلة

قبل رحيله بليلة التقيته في منطقة أسواق الحراج الساعة الرابعة عصراً كان في كامل حيويته.. يمزح ويناقش ومعه الأخوة عبد المنعم الفكي عازف الإيقاع الذي يقاسمه السكن مع الأخ بدر الدين الأمير والأخ الماحي من أبناء شندي.. كان يبحث عن دولاب ملابس وبعد أن اشتريناه تم نقله مع صديق لي ايراني يدعى جليل عندما عاد جليل بعد توصيل الدولاب حكى لي عن مصطفى وظل يحكي بشغف لم أر مثله وذلك في عشرة ثلاث ساعات بينه ومصطفى، لم استغرب لأن مصطفى يدخلك بلا استئذان ويمنحك حق الدخول لعالمه المدهش.

علاقته برجل الأعمال والملحن صلاح ادريس

ولأني أحكي عن تاريخ ولا يحق لي أن أسقط منه أو أضيف.. أذكر أن مصطفى سيد أحمد مع ظروفه المرضية كان يقيم في قطر كزائر قبل أن يتحصَّل على إقامة.. وفي تلك الفترة تراكمت عليه ديون من جراء الغسيل الذي يجرى له في مستشفى حمد العام، وبلغت اكثر من (20) ألف دولار، وعندما أعيتنا الحيلة في سداد هذا المبلغ لأن جواز مصطفى محجوز رهن المبلغ قام الصديق عصام حسن حسين المحامي بترك جواز رهين بدل جواز مصطفى لأن جوازي لم يكن مجدداً حينها، ثم قمنا -بعد أن عجزت كل الوسائل- بالاتصال مع الأخ صلاح إدريس في جدة وأبلغته بما حدث وبمطالبة المستشفى لمصطفى، وبمجرّد أن سمع صلاح ادريس بما حدث وبمشكلة مصطفى قام في صبيحة اليوم التالي بإرسال مبلغ (30) ألف دولار وطلب مني تسديد ديون مصطفى واستئجار شقة له وفرشها وتولى الصرف عليه وعلى أسرته شهرياً.. ووعد بأن يقوم بمحاولة إجراء عملية زراعة كلية له... الجدير بالذكر أن صلاح سبق أن دفع (13) ألف دولار لإجراء زراعة كلى لمصطفى بالهند، وذلك في نفس الأسبوع الذي استؤصلت فيه الكلية المزروعة له في موسكو وأراد الله أن يتوفى مصطفى قبل أن تكتمل اجراءات زراعة كلية أخرى له على الرغم من أن الأطباء استبعدوا ذلك قبل وفاته.

مصطفى والحلم الأخير

في صبيحة يوم رحيل مصطفى وعندما استيقظ من النوم وكعادته جلس ليقرأ الصحف، وقال للأخ الصديق عبد المنعم الفكي عازف الإيقاع الذي يسكن معه (والله يا منعم أمس حلمت أني بغني مع اوركسترا على مد البصر)، ولم يعر عبد المنعم هذا القول انتباهاً إلا أننا عندما توفي مصطفى في نفس الليلة عدنا بالذاكرة لتنبؤات مصطفى عن أمور كثيرة حدثت في ود سلفاب والخرطوم، كان يستشعر حدوثها بعلامات لا يمكن تفسيرها إلا بعد الحدث مباشرة.. ولا تفسير لما قال إلا بالجموع الهادرة التي شيَّعته في السودان، وما أحزنني أكثر مع فقده عدم مقدرتي على السفر مع جثمانه لظروف يطول شرحها في هذه السانحة.

التقيته فنياً في (11) عملاً

منذ عام 1981م حتى رحيله في 1996م قدمنا أكثر من (11) عملاً غنائياً بدءاً بأغنية في «عينيك عشم باكر»، و«وهج الشعاع»، و«املنا الباقي»، و«علمي عيوني السفر» الذي شاركني في كتابة نصها، وأغنية «أديني إحساس بالأمل»، و«واقف براك والهم عصف»، و«في خاطري لحظاتنا الندية»، و«من جديد»، و«معاك كنت»، والثلاثة أعمال الأخيرة آلت للصديق الفنان خالد محجوب والذي راهنا على نجاح تجربته وقدمه مصطفى كأول مرة بأعمال خاصة وكان مصطفى يرددها.

سيف الجامعة ومصطفى

كذلك جمعني مصطفى بأغنية لو مثلي هداك الحزن، أو زهرة بخيلة، مع صديقي الرائع سيف الجامعة، وكان في البال أعمال أخرى لعبد التواب عبد الله، والصديق علي السقيد، واسامة الشيخ، كل هؤلاء كان مصطفى يخطط لتلحين أعمال لهم إلا أن مشيئة الله لم تمهله لإكمال هذا العمل.

مصطفى والصوفية

مصطفى في كثير من أماسي الغربة كان يتحدَّث عن علاقته الروحية بالقرى ومعرفته المتمكنة بأهلها خصوصاً رجال الدين وذلك بحكم نشأته، وقد عكف في أيامه الأخيرة على قرأة أثر لمحيي الدين بن عربي قراءة متأنية وما زلت أذكر اهتمامه بالمدائح وفهمه العميق لدورها في تشكيل بناء الأغنية بالسودان.

(رحم الله مصطفى وأسكنه الجنة).
avatar
نجم النجوم

عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 08/01/2011

http://najm0000.7abibomri.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى